|
2005/05/21 |
|
front |
|
| ||
| ||
| ||
عاش ميشال عون في المنفى 15 عاماً صامداً عند <<موقف وطني>> واحد. إلا أنه خلال 15 يوماً من إقامته في لبنان غيّر موقفه السياسي 3 مرات. يجدر التذكير بأن الموقف الأول كان من النوع الذي يمكن الصمود عنده. ولكن، بعد 7 أيار، بات واجباً امتحان المبدئية في مجال العمل السياسي، وفوق ذلك في فترة انتخابية. ولا شك في أن العماد ترك بعض رصيده. لقد أكلت التجريبية المبالغ فيها من المبدئية التي يقال إنها تميّز الرجل.
يمكن تمييز ثلاث مراحل عونية في الأسبوعين الماضيين.
أولاً كان خطاب 7 أيار محطة مهمة لإعلان الخطوط العامة لتوجه مستقبلي. فمضمون الخطاب يقول إن معركة التحرير انتهت وباتت وراءنا وإن معركة التغيير بدأت وهي أمامنا. وإذا شئنا الرطانة قلنا <<تحرّر الوطن فانفتح المجال لتحرير المواطن من الإقطاع والمال السياسي والطائفية>>. وبما أن الانتخابات تقترب فإنها ستكون موقعة مهمة في المشروع النضالي الجديد. وهي لا تكون كذلك إلا إذا توحّدت المعارضات وراء برنامج يمتد لأربع سنوات، وإلا إذا تمثلت قواها بحجمها الفعلي وبوزنها في <<معركة الاستقلال>>.
ليس سراً أن هذا الطرح استفز قوى كثيرة. أطلقت النار على عون، حتى قبل وصوله، من جميع الجهات. وعندما قال أحدهم <<ليس للجنرال مَن يحالفه>> كان يجب عليه أن يضيف <<بهذه الشروط>>. جاءه الرد الأول عبر التلويح بإقفال اللوائح. وبما أن ذلك كان يعني انقلاب مسلمي المعارضة (السابقة) على مسيحييها بتواطؤ من أحصنة طروادة باتت معروفة فقد أدى الأمر إلى استنفار طائفي عنيف. أراد البعض إفهام عون (وغيره) أن إقفال اللوائح بهذه الطريقة وهذا التوقيت هو شكل من أشكال ممارسة <<وحدة المعارضة>>. أي إن هناك من قاد تسونامي وهو يصرخ محذراً من قدوم تسونامي. وتطوّع باحثون عن أدوار لتسخيف فكرة البرنامج في هذه <<الحشرة>> وجرفوا في طريقهم الأطروحات <<المثالية>> عن المحاسبة والمساءلة وفتح الملفات...
هذا الرد على العماد تجاوز شخصه. جعله يبدو جزءاً من معسكر المتضررين الذي قاده البطريرك نصر الله صفير مرغماً عون على <<الصعود>> إلى بكركي.
ثانياً عاش عون فترة <<شهر عسل>> مع الموالين السابقين الذين شرعوا يتوافدون لزيارته. وكان هؤلاء يستفيدون من أن الانقلاب الطائفي ضمن المعارضة يحرّر مساحة في البيئة المسيحية أساساً يمكن ملؤها بخطاب لا يخلو من الطائفية. وتقضي الأمانة القول إن عون لم يقل كلاماً واضحاً في هذه المرحلة ولكنه أوحى أن مرارته من <<حلفائه>> المعارضين السابقين (أكثر من رستم غزالة في لبنان!) قد تجعله يفكّر في قلب الطاولة والاستفادة من الخيارات المفتوحة. قيل إنه قد يقاطع في دوائر، ويقود معارك طاحنة في دوائر، ويتحالف في دوائر مع موالين سابقين.
في هذه الأثناء كان مهندسا المرحلة (جنبلاط والحريري) يعيدان فتح نوافذ في اللوائح المقفلة. لقد كانا ضَمِنا انكسار الاندفاعة المسيحية جزئياً فبات في إمكانهما تقديم جوائز ترضية تعوّض بعض أضرار قانون الألفين. وهكذا انضم جورج عدوان وصولانج الجميل إلى لائحتي الشوف وبيروت.
ثالثاً بدأت هذه المرحلة مطالع هذا الأسبوع. تجدد التفاوض بين قائدي المعارضة وعون. وبات وارداً البحث في فتح جديد للوائح في الشوف وامتداد النقاش ليشمل الشمال والجبل والبقاع. وتشير الأنباء إلى أن جدول الأعمال الجدي كان محصوراً في تحديد الحصة العونية بعد أن حصل انخفاض واضح في درجة التطلّب الإصلاحي والتغييري. ولكن، بالإضافة إلى تعقيدات الحصة وحجمها، برز تعقيد خاص بتركيبتها مع إصرار العماد على حق تياره بأن يتمثل بمرشحين غير مسيحيين. أي إننا بتنا أمام حالة شبه شمعونية تصر على <<الاختلاط>>، ولكنها تصدر عن موقع محدد، وتقل قدرتها على الإقناع بالخطاب التغييري (ضباب كثيف شرع يحيط بما يريد عون تغييره ومَن يريد تغييرهم).
في هذه المرحلة الثالثة عاد عون إلى المربع الأول. عاد إلى مدّ اليد (أو تقبّل اليد الممدودة) إلى المعارضة السابقة (السلطة القادمة، وثلاثة أرباع السلطة الحالية) ولكن من دون برنامج. يعني ذلك، عملياً، أنه ارتضى بالقسم الأكبر من برنامجها ما دامت موازين القوى هي على ما هي عليه. استمر السجال معها على الموقع والحجم قياساً بأطراف مسيحية أخرى (يريد التيار لنفسه الموقع الأول بوضوح)، وقياساً، أيضاً، بالثنائي القوي ضمنها (يريد التيار لنفسه دور الشريك الثالث). ولقد كان لافتاً أن الثنائي القوي، المطمئن إلى انكسار الدينامية على دفعات، أظهر كرماً ملحوظاً في عدد المقاعد التي يمكن له <<التنازل>> عنها.
قد يقول قائل إن المشهد مضطرب وغير مفهوم. كلا. إنه مفهوم جداً إن نظرنا إليه من زاوية الوظيفة المعطاة أميركياً وفرنسياً لهذه الانتخابات في مواعيدها وبحسب قانون الألفين تحديداً. وهذه الوظيفة المعلنة تتجاوز <<استئصال>> عملاء سوريا لتطال حلفاء سوريا ذوي القاعدة الشعبية (نزع <<السورنة>> عن لبنان تكرار لصيغة عراقية أثبتت فشلها). والاستئصال المشار إليه يطال، في المرحلة الانتخابية الراهنة، البيئات السنية والدرزية والمسيحية. أما الموضوع الشيعي فمتروك إلى ما بعد. ولا بأس من <<التسامح>> مع تحمّل القوى السياسية الشيعية النافذة عبء رموز <<سورية>> قد تتحوّل لاحقاً إلى ألغام. القرار الواضح هو الاكتفاء بحصاد انتخابي يمكّن الأكثريات الطائفية المونوليتية غداً من الضغط على النشاز الشيعي ودعوته إلى بيت الطاعة.
في ظل هذه الاستراتيجية المرعية دولياً يضيق هامش المناورة أمام القوى المحلية ولا تعود تستطيع اللعب على ذوقها ووفقاً لمصالحها الضيقة. وهكذا فإن خروج عون أو إخراجه من الائتلاف الواسع يعطل الخطة أو يهدد بتعطيلها (في دائرتي الشمال، وفي بعض الجبل...). يمكن لعون، إذا شرد، أن يؤثر في أن يعود إلى المجلس بعض من يفترض بقانون الألفين إبعادهم. وإذا حصل ذلك، فإنه سيؤدي إلى قدر من المشاركة في التمثيل السني والدرزي والمسيحي يسمح للحالة الشيعية، ول<<حزب الله>> تحديداً، بأن تجد مجالاً للتنفس السياسي وألا تكون معلقة بما يقرره قادة المرحلة المقبلة.
هذا هو المنطق العميق لاستئناف التفاوض مع التيار الوطني. إنه تلبية لرغبة دولية أبلغت إلى الجميع، بمن فيهم عون طبعاً، بضرورة إقفال اللعبة، وبضرورة التمييز بين الانتخابات والديموقراطية، وبضرورة الإكثار من التزكيات الجاعلة الاقتراع عملية استفتاء بسيطة.
الشعار النموذجي لهذه الخطة هو إسقاط مقولة <<التغيير بعد التحرير>> لصالح مقولة أن المرحلة الحالية والقادمة هي مرحلة <<استكمال معركة التحرير>> بصفته التغيير الوحيد المطلوب.
لقد اكتشف عون أن هناك من هو أكثر <<عونية>> منه! إلا أن تأرجحه بين خيار وآخر يقول الكثير عن القدرة التحليلية للقوى السياسية اللبنانية وقدرتها على التكيّف من هذه الوجهة أو خلافها.
| ... الى منتدى الحوار |
![]() |
| الصفحة الأولى| أخبار لبنان| عربي ودولي| اقتصاد| ثقافة |
| رياضة| قضايا وآراء| الصفحة الأخيرة| صوت وصورة |
| ©2005 جريدة السفير |