2005/06/03

logo.jpg (5438 bytes)

 

 

front




سمير قصير:
زاوية في القلب انطفأت

جوزف سماحة
لم يكن سمير قصير في <<انتفاضة الاستقلال>> أحد الأكثر جذرية فحسب، كان، وهذا هو الأهم، أحد الأكثر نبلاً. كان كذلك لأنه امتلأ ثقة بالصلات التي يمكن عقدها بين شعوب لبنان وفلسطين وسوريا وبينها وبين العرب جميعاً. من يريد أن يفتش عن سر اغتياله عليه أن يفتش في هذه النقطة بالضبط.
كان يدرك أنه يجازف. لا بل جازف كثيراً. واستمر واقفاً عند دائرة الخطر مبتسماً وجامعاً بين اعتداد بالنفس وبين تفاؤل لا شفاء منه. كان يكتب ليزداد ثقة، وليستفز، وليحرّض. كان يحاول أن يختزن في مقاله الأسبوعي غضب الأيام التي تفوته من دون أن يتمتع بحقه في التعبير الجريء.
هل كان لبنانياً؟ هل كان فلسطينياً؟ هل كان سورياً؟ كان مزيجاً من هذه الوطنيات المهانة من الخارج والتي لا تتورع، أحياناً، أن تهين واحدة منها الأخرى. كان يرى لبنانيته في ضوء فلسطينيته ويراهما في مرآة الشعب السوري رابطاً خلاص هذه الشعوب بالأفق الديموقراطي الواجب فتحه أمامها.
كان التباين معه تمريناً ممتعاً يذهب، بسرعة، إلى الحدود القصوى. ذلك أنه كان حاداً لا يساوم، ولا يتردد أمام مغامرات فكرية تجعله يخوض، اليوم، معارك الغد. وهو، إذ يفعل ذلك، إنما يفعله استناداً إلى وعي المؤرخ الذي سنبقى مدينين له بالكتاب المرجع عن فرنسا والقضية الفلسطينية (كتبه مع صديقه فاروق مردم بك)، وبالكتاب الأكاديمي الأبرز عن حروب لبنان، وبالكتاب الرائع عن بيروت.
نادراً ما أحسن شخص واحد الجمع بين المقال الأسبوعي المشحون بالتوتر وبين السرد التاريخي الذي يضع اليوميات في سياق أعم. نادراً ما أحسن شخص الانتقال جيئة وذهاباً بين المؤرخ والصحافي. والصحافي، هنا، تتجاوز كثيراً كتابة مقال. فتجارب سمير المبكرة في الصحافة اللبنانية الفرنكوفونية، ثم في <<اليوم السابع>> في باريس، ثم في تلك المطبوعة الاستثنائية في إبداعها <<أوريان اكسبرس>>، كما تجاربه في المجلات البحثية الخاصة بالقضية الفلسطينية، إن هذه التجارب تدل على خيال جامح، وثقافة واسعة، وريادية مهنية، وانفتاح لا حدود له على كل جديد في عالم النشر.
لم يستشهد سمير قصير لأنه كاتب، أو مثقف، أو صحافي، أو مؤرخ. استشهد لأنه وضع ذلك كله في خدمة هدف. استشهد لأنه طوّر موقفاً حاسماً في الشأنين اللبناني والسوري عاطفاً ذلك على همّ فلسطيني لم يفارقه لحظة. لقد وضع الديموقراطية في خدمة القضايا العربية كما رأى إلى التحرر الوطني بصفته شرطاً من شروط تمتع الفرد بمواطنيته وحرياته.
إذا كانت <<انتفاضة الاستقلال>> ديموقراطية فعلاً فسمير قصير رمزها. وإذا كانت غير طائفية فعلاً فهو رمزها. وإذا كانت رسالة لبنانية إلى العرب فهو رمزها. وإذا كانت وعداً بلقاء جديد مع سوريا فهو رمزها. وإذا كانت نافية للعنصرية فهو رمزها. وإذا كانت صورة عن لبنان الرافض التخلي عن فلسطين فسمير رمزها. غير أن هذه الانتفاضة كانت هجينة أكثر من ذلك وكان شديد الانخراط فيها، عالي النبرة حيال أي انتقاد لها، شديد الرهان على ديناميتها اللبنانية والعابرة للحدود. كان يبدو متقاطعاً معها علماً أنه قادم من خلفية اعتراضية على بعض قواها وذاهب نحو طموحات تتجاوز بعض من شارك فيها.
اغتيال سمير قصير يهدف إلى إزاحته أولاً، إلى قطع الصلات التي أقامها مع مثقفين ومعارضين عرب، إلى ترويع اللبنانيين، إلى إظهار أن الجثة تستطيع أن تقتل حتى وهي تتحلل.
يصعب إيجاد شخص يتعاطى الشأن العام لم يختلف مرة مع سمير قصير. تلك كانت الضريبة التي يدفعها بحبور طفولي من أجل استقلالية رأيه ومن أجل الدفاع عن حقه في أن يعلنه بالأسلوب الذي يراه مناسباً. ويمكن جمع عدد من الشهادات التي تؤكد أنه لم يهادن يوماً، وأنه كان جارحاً حتى في لحظة التباينات المحدودة في الآراء.
سيفتقد القراء كتاباته. لكن فقدانه كصديق يبقى فوق الاحتمال. ولا عزاء في الاعتذار منه عن القليل الذي يفرّق قياساً بالكثير الكثير الذي يجمع. لا عزاء لأن المشاكس غاب ولأن قاتله أطفأ زاوية في القلب.
... الى منتدى الحوار
Discussion Forum
 
الصفحة الأولى| أخبار لبنان| عربي ودولي| اقتصاد| ثقافة
رياضة| قضايا وآراء| الصفحة الأخيرة| صوت وصورة
 
©2005 جريدة السفير