|
2005/06/10 |
|
front |
|
| ||
| ||
| ||
مقدمات لا بد منها.
أولاً التيار العربي موجود في لبنان قبل الدخول السوري وسيبقى بعد الخروج. لا بل ان هذا التيار تصادم مع الخيارات السورية وخالفها وتباين معها، وتلاقى، أحياناً، مع بعض توجهاتها. ولكن، حتى في لحظات التلاقي، لم تغب المقاربة النقدية.
ثانياً إن هذا التيار هو، بمعنى من المعاني، ضحية من ضحايا السنوات الماضية. وسيكون عليه الثبات في ظروف صعبة، ظروف انعدام أي أفق، في المدى المنظور، لعلاقات طبيعية بين شعبي لبنان وسوريا. هذا واقع عنيد. لذا فإن تطوير وعي نقدي لكل التجربة شرط من شروط الاستمرار.
ثالثاً ينطلق هذا التيار في رؤيته الراهنة من أن المنطقة تتعرض إلى اجتياح. سيبقى العنصر الحاسم في وعيه الوقوف ضد الغزوة الاستعمارية الأميركية المعطوفة على التوسعية الإسرائيلية والحامية لها. لا داعي للسقوط تحت الابتزاز القائل بأن هذه <<لغة خشبية>>. إنها لغة راهنة أكثر بما لا يقاس من كل الترهات الأخرى. ولا تشذ عن هذه الرؤية قراءة الفصول الأخيرة من التطورات السورية اللبنانية.
رابعاً لا يطرح هذا التيار على نفسه سؤال العروبة ولا سؤال الممانعة. إلا أنه لن يستطيع تجنب السؤال المرير: لماذا حصل ما حصل، وبهذه السهولة؟ وإذا كانت ل<<الخارج>> استراتيجياته القابلة للتحديد فإن الاهتمام يجب أن يتركز على مسؤوليات <<الداخل>> في التسبّب بهذه الكارثة.
خامساً ليس هذا التيار من دعاة الاعتياش على الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل وإدامته. إنه من دعاة البحث عن السبل التي تقود العرب نحو إنهاء هذا الصراع لصالحهم، وفي الشروط الموضوعية الدولية الراهنة الصعبة جداً وما تقتضيه على صعيد السياسات والبرامج والشعارات.
سادساً لا يرفع هذا التيار يافطة الديموقراطية متظاهراً بانحيازه إليها ومسايرة لمزاج كوني. إنه جدي جداً في الاعتقاد بأن المشاركة الشعبية الواسعة في الحياة العامة شرط لازم لتوفير العافية المجتمعية الضرورية من أجل رفع تحديات كثيرة منها تحدي <<الخارج>>.
سابعاً يدرك هذا التيار أن صدقيته الديموقراطية، هو تحديداً، ستبقى شعاراً فارغاً إن لم تسبقها المقدمة الضرورية لها وهي الاعتراف بالواقع القطري الكياني وأخذ الاستنتاجات الكاملة من ذلك. إن الديموقراطية زعم ما لم يرافقها حسم في أنها غير قابلة للتطبيق من دون حدود سياسية ترسم الإطار الذي لا غنى عنه من أجل ممارسة السيادة الشعبية. إن الحدود الواضحة والمحترمة شرط لعلاقات قومية سليمة. ولا تجاوز لهذه الحدود إلا بواسطة الانحياز الطوعي للمواطنين. ولا انحياز طوعياً للمواطنين إلا بقدر اكتشافهم مصالحهم الحيوية في ذلك.
مقدمات لا بد منها للإطلالة على المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث في سوريا. لو لم يكن موعد المؤتمر مقرراً من قبل لكانت وجبت الدعوة إذا كانت الأحوال سليمة إلى مؤتمر طارئ. وفي انتظار معرفة المزيد من التفاصيل، وقراءة أوراق العمل، يمكن القول إن محاولة مفتعلة جرت لتجنب الحدث اللبناني، وللتظاهر بالانصراف إلى أمور أخرى. لقد خيّم شبح التطورات الأخيرة على أعمال المؤتمر غير أن المؤتمرين اختاروا البقاء في حالة إنكار.
لا مكان، في الواقع، لكلام يقول <<إن أفكار الحزب وتعاليمه... ما تزال راهنة معاصرة تلبي مصالح الشعب والأمة وتعبّر عن توقها للوحدة والتحرر والعدالة والتنمية، وأي قصور في التطبيق إنما يتحمّل مسؤوليته الفرد وليس الفكرة أو العقيدة...>>. لا مكان لمثل هذا <<التفاؤل>> لأن ما جرى في الشهور الأخيرة هائل في معانيه وأبعاده. لقد أمكن، بيسر، فصم عرى العلاقة اللبنانية السورية، واتضح ما كان معروفاً من أن البنيان هش إلى أبعد حد.
لا مجال لإنكار أن دمشق كانت، على امتداد سنوات، تقرر في شؤون لبنانية داخلية أساسية وفي شؤون العلاقة مع لبنان. لا ضرورة للتوقف عند ما فعلت. ولا ضرورة، أكثر، للسلوك المرائي الذي يفتعل فصلاً بين مرحلتين ما قبل 2000 وما بعد. إن النتيجة الماثلة أمامنا تدلنا على ما لم تفعله دمشق.
لم تنصرف مرة، بجدية، إلى إرساء العلاقات الثنائية على أسس عقلانية، ثابتة، تؤمن مصالح الشعبين، تريحهما، تجعل الواحد يستفيد من الميزات التفاضلية لدى الثاني، تعزز الاعتماد المتبادل بينهما اقتصادياً، وتنموياً، وثقافياً، وتعليمياً، إلخ... لم تنشئ أو تسعَ إلى إنشاء مصالح مشتركة، متداخلة، عصرية، مستقبلية. لم تعزز الوشائج التي تجعل <<الإنسان>> يراكم على ما <<صنعه الله>> بين البلدين. لم نفتتح مصنعاً مشتركاً. لم نفكّر في التوزيع العاقل للزراعات. لم نقم معرضاً في الخارج. لم نتبادل الوفود الجامعية. لم نطور العلاقات التجارية البينية. إلخ...
إن ما كان يمكنه أن يتحوّل إلى علاقة نموذجية بين بلدين عربيين تحوّل إلى ما هو عليه الآن أي إلى الصورة التي يرسمها الخصوم لما هو واجب الوجود بين بلدين عربيين. كان في وسعنا أن نكون ما نريد لكننا أصبحنا ما يُراد لنا أن نكون. الفشل مدوٍ وعظيم الأثر. والتوزيع العادل للمسؤوليات يقضي بأن يتحمّل الطرف الأكثر إسهاماً في التقرير النصيب الأكبر منها.
لقد امتحنت في لبنان أفكار وممارسات ونخب وأساليب عمل وخيارات... وحصل ذلك على امتداد سنوات مديدة وتبيّن أن البناء كرتوني وأنه معرّض لانهيار سريع، لانهيار لا نهوض قريباً منه.
إن فكرة الوحدة العربية (والقومية العربية) التدرجية، الطوعية، المتقدمة من التكامل إلى الاندماج... إن هذه الفكرة تلقت ضربة قاسية قد لا تشفى منها قريباً. يقتضي الأمر، في أسوأ الأحوال، مراجعة شاملة تطال كل شيء: من التفاصيل اليومية إلى المنظومات الفكرية الكبرى، من <<عسكرة>> العلاقات إلى تركيبة السلطة في كل بلد، من محاسبة كل مسؤول إلى الشروع في وضع الخطط لإنقاذ ما يمكن إنقاذه... باختصار كان المطلوب مراجعة تفضي إلى إعلان نعي الفكر القومي التقليدي وإلى التساؤل عمّا إذا كانت النخب التي حملته قادرة على تجاوز مأزقها.
ما لم تفعله سوريا في لبنان، وهو لا يعفي اللبنانيين أو بعضهم من التبعات، وجدناه مكثفاً في ما لم يتطرق إليه المؤتمر.
ليس أسهل من تكرار أنه كان ثمة إيجابيات. نعم كان ثمة إيجابيات إلا أنها، كما هو واضح، لم تندرج في مشروع مستقبلي قادر على معاكسة تيار التفتت والتذرّر الذي يضرب المنطقة مع أن الإمكانات كانت، نظرياً، متوافرة.
| ... الى منتدى الحوار |
![]() |
| الصفحة الأولى| أخبار لبنان| عربي ودولي| اقتصاد| ثقافة |
| رياضة| قضايا وآراء| الصفحة الأخيرة| صوت وصورة |
| ©2005 جريدة السفير |