|
2005/06/14 |
|
front |
|
| ||
| ||
| ||
تأكد أمس أن <<التيار الوطني الحر>> يمثل كتلة شعبية تفوق عدد نوابه المحتملين. يقدم له ذلك تبريراً لاحقاً عن مطالبته بنظام الاقتراع النسبي. إلا أن الأمر نفسه يدفع إلى نوع من <<الشماتة>> بالذين أعرضوا عن المطالبة بهذا النظام، خاصة من أعضاء <<قرنة شهوان>>. لقد توزعوا بين قانوني 1960 و2000، وفي ظنهم أن النظام الأكثري يفيدهم في هذه اللحظة السياسية ويساعدهم في التخلص من <<أقليات>> مخالفة. إلا أنهم وجدوا أنفسهم في مواجهة إعصار فكان أن دفعوا ثمن قصر النظر المعطوف على رغبة مؤكدة في المصادرة.
كان الأحد 12 حزيران يوم ميشال عون. حقق انتصاراً كاسحاً في جبيل وكسروان والمتن الشمالي وأحدث اختراقاً مفاجئاً في البقاع الأوسط وسجل وجوداً في الشوف يحجز له مكاناً في منازلات قادمة. وإلى ذلك فإنه حقق أرقاماً عالية جداً في بعبدا عاليه بحيث يمكنه القول إن قضاء بعبدا محروم من التمثيل النيابي بفعل القانون الظالم. ويجب أن يكون حاضراً في الذهن أن هذا الإنجاز إنما تمّ في مواجهة ائتلافات عريضة، سياسية وانتخابية، بدا، لوهلة، أنها عصية على أي تهديد.
هناك مَن يهوّل، وهناك مَن يهلّل. مَن يهوّل يعترض على تمرد الأقنان ويعبّر عن أنه يحلم بشركاء لا أصوات لهم، أي مطيعين، تماماً مثلما يقال عن الحلم الدفين لبعض أرباب العمل: عمال بلا أجور. ومَن يهوّل يتصرف حيال العملية الديموقراطية التي خذلته داعياً، بهذه المناسبة، إلى تغيير الشعب. ومَن يهلّل، إن لم يكن <<عونياً>> يكون يستبق الأمور أو يكون يسقط إحباطاته على آخرين فيصاب بحبور بالغ من شدة جمال <<شعر بنت الجيران>>. ولكن يبقى أن المستحسن هو التساؤل عن سر ملاقاة <<العونية>> لمزاج عشرات، بل مئات، آلاف اللبنانيين.
يمثل الرجل تياراً أصيلاً في البيئة اللبنانية، والمسيحية تحديداً. إنها البيئة التي تميل إلى تعريف نفسها بصفة المواطنة لا الانتماء الطائفي الموروث. وليس صدفة أن تكون متشكلة من فئات وسطى، ذات مهن حديثة، ومستوى تعليمي جيد، ومتصلة بالخارج بشكل منفتح (آثار إقامة عون في باريس بادية عليه أكثر، بما لا يقاس، من تلك التي بدت على ريمون إده!). إن هذا التعريف <<الوطني>> للنفس هو عنصر التمييز عن <<القوات اللبنانية>> مثلاً. ولا شك في أن التطورات الأخيرة في لبنان كانت تصب في المجرى الإيديولوجي ل<<العونية>>. لنأخذ <<ساحة الشهداء>> مثلاً. إنها بالنسبة إلى <<التيار الوطني>> الدليل الملموس على <<صحة نظرياتنا>>. ولكنها، بالنسبة إلى <<القوات>> الدليل على قدرة <<المجموعات الحضارية اللبنانية على التقارب>>. لذلك ليس غريباً أن يترجم <<التيار>> هذا الحدث بصفته منطلقاً لتغيير شامل يقوم به المواطنون، وفي المقابل ليس غريباً أن تترجم <<القوات>> الحدث بصفته دليلاً على القدرة على <<التعايش>>. ويبدو طبيعياً، والحالة هذه، أن يصطدم <<التيار>> بقوى تقليدية في حين تنحو <<القوات>> نحو التحالف معها مرتضية منها مجرد الاعتراف الذي لا يجوز التشويش عليه. <<التيار>> يتضمن عناصر ثورية في طرحه. <<القوات>> عناصر محافظة.
يمكن الإفاضة في شرح التقارب والتباين بين الطرفين ولكن ما لا شك فيه أن كلاً منهما أصيل بمعنى أنه ذو جذور اجتماعية. ولذلك ثمة تسرّع في القول إن عودة عون من المنفى تهدده بالضمور. ولقد ثبت هذا التسرّع وربما نتأكد، لاحقاً، أن <<العونية>> تيار صاعد.
عنصر ثان ساعد في تحقيق النتيجة التي تحققت. إن التطورات منذ أقل من عام، قبيل التمديد وحتى اللحظة، ساهمت في شرعنة <<العونية>>. الأهم من ذلك أن الخطاب الذي اعتمدته قوى سياسية وطائفية لبنانية في الأشهر الأخيرة لعب دوراً بالغ الأثر في شرعنة الخطاب العوني. كيف ذلك؟ لنتوقف عند العلاقات اللبنانية السورية. هناك شخصيات وأحزاب وتيارات
امتنعوا عن أي مراجعة نقدية لتاريخ هذه العلاقات وغرقوا في التبسيط. وأقدموا، في هذا السياق، على مراجعة تحريفية لآخر 15 سنة أي للمرحلة التي كان فعلها التأسيسي إقدام دمشق على <<إنهاء التمرد العوني>>. إن الذين أقاموا نظاماً مرعياً من سوريا باتوا في موقع القول إن التدخل السوري في لبنان هو شر كله. لا يملك أحد غير عون حق النطق بهذه العبارة. ومع ذلك جاء مَن يزاحمه عليها تحت انفعالات مفهومة بدل أن يبقى حريصاً على تمييز نفسه عبر تطوير رأي مركّب في مساوئ ومنافع العلاقات اللبنانية السورية. لقد غاب عن السجال، وإلى حد كبير، الرأي القائل بأن الأولوية المطلقة كان يجب أن تعطى لإرغام إسرائيل عن الانسحاب والاستفادة، إلى أبعد حد ممكن، من الدعم السوري (الانسحاب تحت الضغط مفيد، من حيث المبدأ، لسوريا أيضاً). ويفيد هذا الغياب في إدراك كم أن <<الخطاب العوني>> صعد إلى موقع الأرجحية في تحالف 14 آذار بحيث اندلعت مباراة بين الأطراف في مَن هو <<الأقدم عداء لسوريا>>. إن <<شرعنة>> الخطاب العوني وفّرت للتيار حججاً ثمينة في الرد على بعض الخصوم عبر اتهامهم أنهم كانوا من أركان <<نظام التبعية>> وبأن لا صدقية لمزايداتهم الحالية خاصة عندما تصل إلى حد اتهام <<الجنرال>> بأنه حصان طروادة السوري! ولقد استفاد عون إلى الحد الأقصى من هذا الواقع المستجد بإعلانه المتكرر: <<أنا الأصيل>>.
عنصر ثالث لعب لصالح عون: الخطأ الفادح الذي ارتكبه الجناح الإسلامي من المعارضة (السابقة) بإعلانه عن <<إقفال اللوائح>> واعتماد <<مَن وقف معنا في السراء والضراء>>. قد يكون هذا الخطأ نتيجة نقص في الحساسية إلا أنه يتضمن ما يفوق ذلك.
أما النقص في الحساسية فالأدلة عليه أكثر من أن تحصى. إنه وليد جنبلاط القائل <<سأختلي بنفسي لأعرف بمَن أضحي>>. وهو الناطق باسم تيار <<المستقبل>> إذ يقول <<سنأخذ معنا صولانج الجميل>>. وهو صيغة الإخراج المعتمدة حيال جورج عدوان. وهو هذه الرغبة غير المكبوتة في إطلاق صفات على المرشحين المطلوبين تجعل منهم رفاق سمر وسهر لا شركاء سياسيين يفترض فيهم تمثيل بيئتهم. ويمكن الاستطراد في تقديم أمثلة لا حصر لها تعبّر عما أسمي ذات مرة <<الطائفية الوديعة>> والتي يمتاز بها، عادة، الطائفي الذي يعيش حالة إنكار.
غير أننا، في الواقع، لسنا أمام نقص في الحساسية فحسب. لقد كنا أمام محاولة انقلابية ضمن المعارضة تستبق استلام السلطة. كنا أمام رسالة إلى <<المسيحيين>> بأن <<السيادة المستعادة>> لن تعني، بالملموس، أي تغيير في موازين القوى الداخلية على صعيد الحكم. ولقد وفّر هذا السلوك مادة غنية للاعتراض لم تشفع في التخفيف من وطأتها الحملة على <<بقايا النظام الأمني>>. ولم يكن لها أن تخفف من وطأتها بعدما أوحى بيان المطارنة الموارنة الشهير بأن البطريرك صفير هو الذي حلّ على رأس <<الأجهزة>> التي تفقد قادتها!
كانت الهدية المقدمة إلى عون أثمن من أن ترفض. لقد وقع، بالصدفة، على تكتيك فتاك. فالتطلب العميق لدى بيئات مسيحية واسعة هو إلى قائد يقف كتفاً إلى كتف مع وليد جنبلاط، وسعد الحريري، وحسن نصر الله، ونبيه بري. وبما أن كل واحد من هؤلاء يتميّز بأنه يختار مرشحين مسيحيين على لوائحه فلقد بات عنوان <<السوية المطلوبة>> هو المسيحي الذي يصارع على الحلبة نفسها مانحاً لنفسه الحق في اختيار مرشحين مسلمين. وبدت هذه المهمة وكأنها مفصّلة على قياس ميشال عون. فهو الوحيد الذي يستطيع ذلك (لأسباب كثيرة) خاصة وأنه، أصلاً، يميّز نفسه بأنه صاحب <<خطاب وطني>>. وهكذا أمكن له أن يبقى مخلصاً لخطابه، وصادقاً، وأن يستنفر عصبية مسيحية تعيش جرحاً في كرامتها وتبحث عن ترجمة مادية لمعنى استعادة السيادة الوطنية.
وبما أن العرض كان مطابقاً للطلب إلى هذا الحد لم يكن عجيباً أن تلقى <<السلعة>> الرواج الذي لاقته. هناك مَن ساهم في اختلاق الرغبات فبات أكثر سهولة على عون إشباعها.
عنصر رابع ساعد عون: وعد التغيير وصدقية الوعد.
لا يشكو ميشال عون من أن صورته توحي بأنه رجل متقلب. على العكس تماماً. يشكو من أن صورته توحي أنه رجل متصلب (وبتعبير مناصريه <<مبدئي>>). ولقد وفّر له ذلك فائض صدقية يسمح له بالنجاح في تمرير تحالفات وفي الدفاع، ولو الخجول، عنها، وفي إزالة أي شك بأنها قد تعيق طموحاته الإصلاحية الجامحة.
إن شخصية الرجل، وارتباكاته التلفزيونية، وردوده غير المنمقة، وانفعالاته، وعباراته المتقطعة، والخشية التي تثيرها إطلالاته من أنه على حافة الغضب، أو التوتر، إن هذه الأمور كلها تجعله، خلافاً لسياسيين لبنانيين عديدين، صاحب رصيد يميل المواطن المشاهد إلى تصديقه سواء ليخالفه أو ليوافقه. خصومه ليسوا من هذا النوع. وحتى مَن يتمتع منهم بصدقية استثنائية، مثل نسيب لحود، يضيع في دوامة تتجاوزه وتجعل اللبنانيين يخسرون أحد أكثر برلمانييهم كفاءة، ونزاهة، وإصلاحية.
يجنح لبنانيون كثيرون إلى إعطاء عون <<فائدة الشك>>. لم يشارك في السلطة. حصل تواطؤ ضده. شديد التركيز على اليوم التالي للانتخابات. رافض لاستحضار الماضي بطريقة مشتبه في استخدامها كواحدة من أدوات الإلحاق والسيطرة. وإذا كانت <<14 آذار>> ظاهرة اختلطت فيها معان كثيرة فلا شك في أن عون نجح في أن يصادر لنفسه الزخم <<التغييري>> وفي رفعه في وجه قوى بدت أنها تحاول تفريغ الحدث من مضمونه. وكان ذلك سيبقى ناقصاً لولا أن التجارب الملموسة توفر للبنانيين المعنيين القدرة على الحكم عبر الاحتكاك بعناصر <<التيار>> وناشطيه وهم ممن لا شك في اختزانهم طاقة إصلاحية وتحديثية.
لهذه الأسباب ولغيرها حقق <<التيار الوطني>> نجاحاً كانت مؤشراته واضحة. اما كيفية توظيف النجاح في السياق اللبناني، واما التخندق الطائفي والمذهبي الاختياري أو الطوعي وآثاره، واما السلوكيات حيال الملفات المفصلية الداهمة، فهذه كلها عناوين يلفها الغموض.
| ... الى منتدى الحوار |
![]() |
| الصفحة الأولى| أخبار لبنان| عربي ودولي| اقتصاد| ثقافة |
| رياضة| قضايا وآراء| الصفحة الأخيرة| صوت وصورة |
| ©2005 جريدة السفير |