|
2005/06/15 |
|
front |
|
| ||
| ||
| ||
يجب أن نحبس الأنفاس في انتظار عودة السفراء. سيحملون معهم الخبر اليقين. وبعد العودة توزع كلمة السر الجديدة المتولدة عن <<العصف الفكري>> في اجتماع باريس.
يبدو لقاء القناصل في العاصمة الفرنسية استدراكياً ولو قيل عنه إنه تشاوري وغير مخوّل باتخاذ القرارات. وهو استدراكي لأنه يحصل قبل إتمام العملية الانتخابية وبعد أن حملت الدورات السابقة مفاجآت متفاوتة. لقد بات مطلوباً، كما يبدو، ولبنان على مسافة أيام من العهد الجديد، أن يبادر المعنيون الجدد به إلى إدراج نتائج ما حصل في تقويمهم، وإلى تقديم خريطة طريق للمستقبل القريب.
لقد سبق لدول الوصاية، والهيئات الدولية العاملة في سياقها والمعتمدة من قبلها، أن قالت ما تريده في لبنان: انسحاب فانتخاب فسلاح الميليشيات. وكان في الاعتقاد أن البلد مادة لزجة تسمح للحلقات المشار إليها بأن تكون مترابطة بحيث توفر الأولى شروط النجاح في الثانية وأن تسمح الثانية بالاقتراب من الثالثة.
إلا أن الواقع كان، كالعادة، أغنى من هذه الترسيمة التبسيطية. لقد فاجأ لبنان الأوصياء، كما سبق للعراق أن فاجأ المحتلين، ولم يكن على الصورة التي يرسمونها له. ففي العراق لم ينتهِ ولن ينتهي النقاش حول التقصير الأميركي في تقدير <<اليوم التالي>> ومصاعبه، ومشاكله، وتعقيداته، وسبل التعاطي معه. وإذا كان لهذا النقاش أن ينتهي فباتهام واضح لواشنطن بأنها أكثرت من الرهانات المتفائلة ولم تبد الخشية اللازمة، والاستعدادات المصاحبة لها، من الصعوبات. ولقد اتضح ذلك عند كل محطة جرى تقديمها بصفتها مفصلية وكفيلة بوضع الأمور على سكة الاستقرار: مجلس الحكم، الدستور، تسليم السلطة، الانتخابات... إن هناك مَن حوّل العراق إلى حقل تجارب من غير أن يبدو مهتماً بالتعلم من الأخطاء لاعتقاد منه بأن جبروته تسمح له بالتعايش مع الآثار غير المحسوبة لأعماله.
لا شك في أن زيادة الاهتمام الأميركي بلبنان في الأشهر الأخيرة متصلة، بمعنى ما، بالتعثر في العراق. فبعد أن أقدمت الإدارة على تعديل جذري في منطقها التبريري للحرب (من أسلحة الدمار والإرهاب إلى نشر الديموقراطية)، وبعد أن تعرّض المنطق الجديد لاختبار صعب، جاءت التطورات اللبنانية لتقدم نموذجاً ترويجياً عن <<العدوى الديموقراطية>>. ولقد سارع معلقون أميركيون حديثو العهد بالتعاطي مع قضايا بلادنا إلى اعتبار الانتخابات اللبنانية مجرد امتداد لتلك التي أجراها الاحتلال في العراق!
كانت <<انتفاضة الاستقلال>>، بنتائجها المباشرة، أجمل من أن تصدق وقد اهتم <<البوشيون>> بإعلاء مكانتها ونسبتها إلى الرئيس الأميركي ومطالبة منتقديه بالاعتذار منه. لقد كانت الانتفاضة <<فوتوجينيك>> بالمعايير الغربية.
ولكن سرعان ما تبيّن أن المجال مفتوح لأن تكرّر دول الوصاية مجتمعة، في لبنان، الخطأ الأميركي في العراق فيؤدي الاصطدام بالوقائع العنيدة إلى اكتشاف هزال التحضيرات ل<<اليوم التالي>>. هناك مَن يفتح القمقم ولكن ليس هناك مَن يضبط الشياطين. أو، بكلمة أخرى، نعرف الماضي الذي نخرج منه ولكننا لا نعرف المستقبل الذي ندخل إليه.
حصل أمران <<متناقضان>>، شكلاً، في لبنان لم يكونا إلى هذا الحد في حسبان الجهات الراعية للتغيير الجاري.
الأول هو الاستفتاء حول المقاومة. لقد نجح <<حزب الله>> في ضرب طوق حماية حول <<سلاح المقاومة>> يصعّب الانتقال السلس من <<الانتخاب>> إلى <<السلاح>>. وبنى، إلى جانب ذلك، سوراً من التحالفات الصلبة أو الهشة (أهدى الحزب عشرة نواب إلى المعارضة السابقة في بعبدا عاليه). قد تنتهي صلاحية بعض هذه التحالفات سريعاً (كاد سمير جعجع ينهيها عشية انتخابات الجبل)، وقد تدوم صلاحية البعض الآخر لوقت. ولكن يبقى أن الضغط لطرح قضية نزع السلاح سيلقى ممانعة من
القوى المسايرة للوصاية الدولية، وأن ذلك لا بد له من إدخال تعديلات على الروزنامة.
الثاني هو الانتصار الذي حققه <<التيار الوطني>>. لا تصب مفاعيله مباشرة في المجرى السابق. فلا التزام ل<<التيار>> حيال <<الحزب>> ولا دين عليه حياله. ثم إن <<التيار>> هو الأكثر تورطاً في العلاقة الإيجابية مع القرار 1559. ولكن ذلك لا يلغي أن الانتصار يسبّب إرباكاً. لقد وجّه ضربة قاسية إلى محاولة إيجاد تمثيل سياسي مسيحي مستقل عن وليد جنبلاط وسعد الحريري (وحسن نصر الله ونبيه بري) وصادر التمثيل هذا لنفسه. أي إنه فرض نفسه محاوراً أول. ويعني ذلك، برلمانياً، تشتتاً أكبر في المجلس الجديد، وتهديد الأكثرية المريحة المطلوبة لتنفيذ برنامج السلطة القادمة. وحتى لو مالت انتخابات الشمال كلها إلى كفة واحدة فستبقى حرية الحركة محدودة حيال عناوين أساسية.
لا بد من أخذ هذين التطورين بالحساب. واجتماع باريس محكوم بهذه الوظيفة المستجدة حتى لو كان موعده مقرراً قبل فترة. إن الاجتماع مدعو إلى دمج هذين الأمرين في السياسات التي سيقترحها على اللبنانيين وهي، في الواقع، توصيات شبه إلزامية تقع في مرتبة وسطى بين النصائح والأوامر. لذا يتوجب الانصراف إلى متابعة كل كلمة يقولها القناصل.
لا بد من ملاحظة أن <<اجتماع باريس>> تعوزه الشفافية. إن ما نقل عن جدول أعماله ومداولاته يشكّل مروحة واسعة: الانتخابات، نتائجها، السلطة الجديدة، برنامجها، معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، الذهنية الجديدة، ما يمكن تقديمه إلى لبنان في الوقت المناسب، الإصلاح السياسي والاقتصادي، الشخصيات المنزهة عن الفساد، الصدمة من عمق الولاءات الطائفية، إلخ...
جدول أعمال حافل. إلا أن القراءة، ولو من بعيد، توحي أن المطالبة بمكافحة الفساد، وبضرورة معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، والتركيز على الذهنية الجديدة، إلخ... إن هذه العناوين لا تحتاج إلى اجتماع. من المشكوك فيه أن يلتقي هؤلاء القوم لتدارس شعارات من هذا النوع.
إن اللقاء لن يكون له معنى إلا إذا بحث في <<المساعدات الممكنة>> إلى لبنان وكيفية ربطها بجدول الأعمال المقترح على الحكومة الجديدة التي سترى النور بعد أيام معدودة. ويزداد هذا المعنى أهمية إذا تبيّن أن ما كان معداً في السابق ل<<اليوم التالي>> يفترض التعديل في ضوء الحصيلة الراهنة للانتخابات.
لنراقب بدقة ما يقوله سياسيون لبنانيون اليوم، ولنراقب ما سيقولونه بعد عودة السفراء، سنعرف عندها نوعية القرارات المتخذة في حقنا وما إذا كان جرى تكييفها مع المستجدات.
| ... الى منتدى الحوار |
![]() |
| الصفحة الأولى| أخبار لبنان| عربي ودولي| اقتصاد| ثقافة |
| رياضة| قضايا وآراء| الصفحة الأخيرة| صوت وصورة |
| ©2005 جريدة السفير |